أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
41
العقد الفريد
وذم أعرابي رجلا فقال : عبد الفعال ، حر المقال ؛ عظيم الرواق ، دنيء الأخلاق ؛ الدهر يرفعه ، ونفسه تضعه . وذمّ أعرابي رجلا فقال : ضيق الصدر ، صغير القدر ، عظيم الكبر ، قصير الشبر ، لئيم النّجر « 1 » ، كثير الفخر . وقال أعرابي : دخلت البصرة فرأيت ثياب أحرار على أجساد عبيد ؛ إقبال حظهم إدبار حظ الكرام ، شجر أصوله عند فروعه ، شغلهم عن المعروف رغبتهم في المنكر . وذكر أعرابي رجلا فقال : ذاك يتيم ، أعيا ما يكون عند جلسائه أبلغ ما يكون عند نفسه . وذكر أعرابي رجلا فقال : ذلك إلى من يداوي عقله من الجهل ، أحوج منه إلى من يداوي بدنه من المرض ؛ إنه لا مرض أوجع من قلة عقل . وذكر أعرابي رجلا لم يدرك بثأره ، فقال : كيف يدرك بثأره من في صدره من اللؤم حشو مرفقته ؛ ولو دقّت بوجهه الحجارة لرضّها « 2 » ، ولو خلا بالكعبة لسرقها . وذكر أعرابي رجلا فقال : تسهر واللّه زوجته جوعا إذا سهر الناس شبعا ؛ ثم لا يخاف مع ذلك عاجل عار ، ولا آجل نار ؛ كالبهيمة أكلت ما جمعت ، ونكحت ما وجدت . وسمع أعرابي رجلا يزعق ، فقال : ويحك ! إنما يستجاب لمؤمن أو مظلوم ، ولست بواحد منهما ؛ وأراك يخف عليك ثقل الذنوب فيحسّن عندك مقابح العيوب . وذكر أعرابي رجلا بضعف فقال : سيّئ الروية ، قليل التقية « 3 » ، كثير السعاية ، ضعيف النكاية . وذكر أعرابي رجلا فقال : عليه كل يوم من فعله شاهد بفسقه ؛ وشهادات الأفعال أعدل من شهادات الرجال .
--> ( 1 ) النجر : الأصل . ( 2 ) الرض : الدق . ( 3 ) التقية : الحذر .